يصل البابا فرنسيس إلى العراق الجمعة في أول زيارة بابوية على الإطلاق إلى هذا البلد، بهدف تشجيع المسيحين الذين تعود جذورهم في هذا البلد إلى التاريخ على الصمود رغم تراجع أعدادهم، وتعزيز تواصله مع المسلمين.

ومن أبرز محطات زيارة البابا لقاء يجمعه مع المرجع الشيعي الأعلى آية الله العظمى علي السيستاني في النجف.

وتأتي الزيارة غير المسبوقة في وقت حرج بالنسبة للعراق الذي يشهد تجددا للعنف مع إطلاق صواريخ واحتجاجات مناهضة للحكومة، وسط موجة ثانية من الإصابات بفيروس كورونا. ويحقق البابا بزيارته هذه حلما لطالما راود البابا الأسبق يوحنا بولس الثاني.

وكشفت مصادر مسؤولة لوكالة فرانس برس الأحد ان سفير الفاتيكان في بغداد المونسنيور ميتيا ليسكوفار أصيب بفيروس كورونا من دون أن "يكون لذلك تأثير" على زيارة البابا فرنسيس الجمعة.

وأدت سنين من العنف والاضطهاد إلى تراجع عدد المسيحيين في العراق الذين يعتبرون من من أقدم الجماعات المسيحية في العالم، من 1,5 مليونا في 2003 إلى 400 ألف فقط اليوم.

وينوي البابا فرنسيس البالغ 84 عامًا في أول زيارة له إلى الخارج منذ انتشار الجائحة، توجيه رسالة تضامن ليس للمسيحيين فقط بل لجميع سكان العراق البالغ عددهم 40 مليون نسمة، مع برنامج حافل بالمحطات في أرجاء البلاد.

من شوارع بغداد الرئيسية وصولا إلى مدينة النجف الشيعية، رفعت من الآن لافتات تحمل صوره مرفقة بعبارات ترحب بمجيئه.

من مدينة أور الجنوبية إلى البلدات المسيحية المدمرة في الشمال، يجري تعبيد الطرقات وإعادة تأهيل الكنائس في المناطق النائية التي لم تشهد زائرا بهذه الأهمية من قبل.

وقال نجيب ميخائيل رئيس أساقفة ابرشية الموصل وعقرة للكلدان لوكالة فرانس برس إن "رسالة البابا هي أن الكنيسة تقف إلى جانب الذين يعانون".

وقال ميخائيل "سيقول كلمات قوية للعراق حيث ارتكبت جرائم ضد الانسانية".

يشكل مسيحيو العراق إحدى أقدم الجماعات المسيحية في العالم وأكثرها تنوعًا، مع الكلدان والأرمن الأرثوذكس والبروتستانت وطوائف أخرى.

في العام 2003، عندما أطاح الغزو الذي قادته الولايات المتحدة بصدام حسين، كان المسيحيون يشكلون حوالى ستة بالمائة من سكان العراق البالغ عددهم 25 مليون نسمة.

وقال وليام وردة أحد مؤسسي منظمة حمورابي لحقوق الإنسان، إنه مع تزايد عدد السكان وهجرة الأقليات هربًا من العنف الطائفي ، تقلصت نسبة المسيحيين إلى واحد بالمائة فقط.

ويتركز معظمهم في محافظة نينوى في شمال العراق حيث لا يزال كثيرون منهم يتحدثون الآرامية، لغة السيد المسيح.

في العام 2014 ، سيطر جهاديو تنظيم الدولة الإسلامية على نينوى واجتاحوا بلدات مسيحية وخيروا سكانها بين اعتناق الإسلام أو الموت.

في ذلك الوقت ، أيد البابا فرنسيس استخدام القوة لوقف انتشار تنظيم الدولة الإسلامية ودرس إمكان السفر إلى شمال العراق للوقوف إلى جانب الأقلية المسيحية.

لم تتحقق تلك الرحلة، لكن البابا استمر في متابعة الوضع في العراق عن كثب ، وأدان قتل المتظاهرين العزل خلال حركة مناهضة للحكومة واسعة النطاق اندلعت في العام 2019.

كان البابا يوحنا بولس الثاني خطط لزيارة العراق في العام 2000، لكن صدام حسين ألغى الرحلة فجأة. وبعد ذلك، لم يقم خلفه البابا بنديكتوس السادس عشر بأي مبادرة في اتجاه بغداد.

وقال البابا السابق بنديكتوس السادس عشر المقيم في دير في الفاتيكان منذ استقالته، ان هذه الزيارة "في غاية الأهمية" لكنها "خطيرة أيضا لأسباب أمنية وبسبب تفشي فيروس كورونا".

بعيد انتخاب البابا فرنسيس في العام 2013 ، حثه الأب لويس ساكو الذي عينه البابا لاحقًا كاردينالا ورئيسا للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، على زيارة العراق. وساكو هو الآن المنظم الرئيسي للزيارة.

في العام 2019، وجه إليه الرئيس العراقي برهم صالح دعوة رسمية، على أمل أن تساعد الزيارة العراق على "التعافي" بعد سنوات من العنف.

لكن مع تفشي وباء كوفيد -19 العالمي الذي أصاب إيطاليا بالصميم، ألغى البابا جميع رحلاته الخارجية اعتبارا من حزيران/يونيو 2020.

ويصل البابا صباح الجمعة إلى بغداد، مع فريقه الأمني ومجموعة من 75 صحافيًا دوليا تلقوا جميعا اللقاح مثل البابا.

وقبل أيام من الزيارة، أصيب سفير الفاتيكان في العراق بفيروس كورونا إلا أن المسؤولين شددوا على أن ذلك لن يكون له "أي أثر" على الزيارة.

ورغم الجائحة يعتزم البابا إقامة قداديس في بغداد واربيل عاصمة اقليم كردستان ومدينة أور الاثرية، مسقط رأس النبي ابراهيم.

وتسجل في العراق راهنا حوالى أربعة آلاف إصابة جديدة في اليوم وفرضت السلطات حظر تجول ليليا وإغلاقا تاما في عطلة نهاية الأسبوع ستمدد لتشمل فترة الزيارة بالكامل.

وسيفرض التباعد الاجتماعي خلال كل القداديس وينبغي على الراغبين في الحضور أن يسجلوا اسماءهم قبل عدة أسابيع للحصول على التذاكر.

والبابا فرنسيس مؤيد بشدة للحوار بين الأديان وزار الكثير من البلدان ذات الغالبية المسلمة، منها بنغلادش في العام 2017 وتركيا في العام 2018 والمغرب والإمارات العربية المتحدة في العام 2019.

في أبو ظبي، التقى إمام الأزهر الشيخ أحمد الطيب المرجع السني الكبير للتوقيع على وثيقة تشجع على مزيد من الحوار بين المسيحيين والمسلمين.

ويأمل البابا فرنسيس أن تفتح رحلته إلى العراق بابًا مماثلاً مع المسلمين الشيعة البالغ عددهم نحو 200 مليون في جميع أنحاء العالم ويشكلون غالبية سكان العراق.

وفي إطار هذا الجهد، سيلتقي آية الله العظمى علي السيستاني في منزله المتواضع في النجف. وقال ساكو لوكالة فرانس برس في كانون الثاني/يناير إن البابا يأمل في أن يؤيد السيستاني رسالة "أبو ظبي" التي وقعها الطيب، إلا أن مصادر دينية في النجف نفت بشدة أن يوقع السيستاني على أي وثيقة.

مع ذلك، سيكون اللقاء من أبرز محطات هذه الرحلة الاستثنائية.

وقال محافظ النجف لؤي الياسري "إنها زيارة تاريخية (.. .) نتحدث عن زعيم طائفة دينية يتبعها 20 في المئة من سكان العالم".

وقال لوكالة فرانس برس إن "زيارته تعني الكثير وزيارة قداسة البابا الى آية الله العظمى علي السيستاني سيكون لها تأثير كبير".