القميص القطني الأبيض، سواء الرسمي أو الكاجوال، يعدّ قطعة أساسية في خزانة المرأة والرجل على حد سواء. ومنذ القرن التاسع عشر، ومع اقتران الموضة أكثر فأكثر بالمركز الاجتماعي والثروة، تحوّل هذا القميص رمزاً للأناقة التي لا يتخطاها الزمن، إذ إن الصيحات المتبدّلة باستمرار تعجز عن الاستغناء عنه، إلى درجة أنه على بساطة تصميمه، رأيناه في كثير من الأعمال السينمائية والمسرح، وصولاً إلى التحامه بالبذلة الرسمية والبذلة التنفيذية، مع انطلاق القرن الحادي والعشرين.

من جيمس دين ومارلون براندو وروبرت ريدفورد، إلى براد بيت وبرادلي كوبر وريان غوسلينغ وكيت هاريغتون... اللائحة تطول بالنجوم الذين تألقوا بهذا القميص الأيقوني. نعرض لكم في ما يأتي  لمحة موجزة عن تاريخ القميص الأبيض ومسيرته التي نجحت في مقاومة الموضة المتبدلة بوتيرة سريعة. 

بداية القرن العشرين: القميص من الملابس الداخلية إلى الإطلالة الكاجوال 

ربما لا داعي للتذكير أن الاسم بالإنكليزية وهو "T- Shirt"، مصدره شكل القميص القطني البسيط الذي يأتي خالياً من أي جعبة أو تفصيل، علماً أنه يتمتع بياقة مدوّرة حول العنق، وخالية من أي طوق، كالذي نراه في قميص أوكسفورد المزرّر.

في بداية القرن الماضي، ومع تطور آلات الخياطة الصناعية من جانب المخترع الإنكليزي وليام كوتو، بدأ ينتشر القميص الأبيض تدريجياً. ففي تلك الفترة، حصل العمال والموظفون على يوم عطلة أسبوعي، مقابل 6 أيام من العمل. بذلك، برزت حاجة إلى ملابس غير رسمية وأكثر راحة تلائم يوم العطلة. في عام 1901، أطلقت شركة P.Hanes Knitting Company مجموعة ملابس داخلية من قطعتين، تذكرنا بقميص اليوم. تلك الملابس الداخلية التي عُدّت ثورية آنذاك،  كان يرتديها الجنود الأمريكيون في الحرب العالمية الأولى. في عام 1913، اعتمدت البحرية الأميركية رسمياً القميص الأبيض، ضمن الزي المخصّص لمشاة البحرية. وقد لاقى هذا القرار ترحيباً واسعاً من المجندين، لأنه سمح لهم أخيراً باستبدال ملابسهم الصوفية الثقيلة بقمصان قطنية خفيفة ومريحة، تمتص العرق، ولا تحتاج إلا إلى مساحة تخزين صغيرة كما يمكن أن تُستخدم كمنشفة.

رغم ذلك، كان قميص االـ"تي" الأبيض يُعدّ من بين الملابس الداخلية. وكان الرجل الذي يجتاز عتبة بيته مرتديا هذه القطعة، يُعدّ غير لائق، لا بل إن تصرفه هذا كان فظاً وأكثر من مستهجن في ذلك الوقت.

ومع مرور بضعة أعوام، وفي ظل تطوّر قوانين العمل على نحو صار الموظفون يحظون بيومي عطلة أسبوعياً، برزت حاجات ملحّة إلى أزياء مريحة، تلائم عطلات نهاية الأسبوع، فيما اتسعت أعداد العمال الباحثين عن قمصان قطنية مريحة، بدلاً من البذلات الكلاسيكية.

وما عزّز انتشار هذا القميص الأبيض، وجعله يخرج من النطاق الضيّق للملابس الداخلية، هو عالم الرياضة؛ قد تستغربون الأمر، إنما في مباراة كرة القدم مثلاً، بدأ الطلب على القمصان البيض المرقّمة من أجل تمييز اللاعبين بعضهم عن بعض. فراحت الأندية الرياضية في الجامعات الأميركية، تطبع أسماء وأرقاماً على القمصان الخاصة باللاعبين. إثر ذلك، راح المعجبون يتهافتون على شراء قمصان مشابهة للاعبيهم المفضلين، حتى بدأ الطلاب يرتدون قمصاناً خارج الملعب الرياضي.

خمسينات القرن الماضي وستيناته: القميص الأبيض أيقونة وأسلوب رائع

مع بلوغه منتصف القرن العشرين، كان قميص الـ"تي" الأبيض حقق مسيرة متألقة، وبات متاحاً على نطاق واسع، إلى درجة أنه حقق طفرة في خمسينات القرن الفائت. وما عكس المرحلة الذهبية لهذه القطعة، ودفع المزيد من الرجال للتهافت عليها، هو إطلالة النجم الراحل مارلون براندو بالقميص الأبيض الكلاسيكي في فيلم " A Streetcar Named Desire". 
آنذاك أسهم هذا القميص القطني في إبراز ساعدَي براندو وكتفيه العريضتَيْن، ما زاده جاذبية. كذلك، ارتدى النجم الراحل جيمس دين القميص الأبيض في فيلم " Rebel Without a Cause" في عام 1955؛ إطلالتان أحدثتا ثورة في مفهوم أناقة الرجل لجيل بأكمله. 

وفي ختام ستينات القرن الفائت، وتحديداً في عام 1968، تبنّى المتظاهرون قميص الـ"تي" حتى صار رمزاً للتمرد على القيود الصارمة التي فرضت على إطلالة الرجل. وفي بداية سبعينات القرن الفائت، كان القميص الأبيض، رسّخ حضوره وصار جزءاً من ثقافة الاحتجاج الجديدة.

من ثمانينات القرن الفائت إلى اليوم: حضور يترسّخ وأناقة مفعمة بالكياسة

في منتصف ثمانينات القرن الماضي، انطلق مسلسل "ميامي فايس" (Miami Vice) على الشاشة الصغيرة، ومعه اشتهرت شخصية دون جونسون، بفضل مظهره الربيعي الأنيق الذي يعتمد على ارتداء القميص القطني الأبيض، مع بلايزر صيفي من الكتان الخفيف. نسيج خفيف يوفر "التنفس" والراحة في الحركة. بثّت الحلقة الأخيرة من المسلسل في تسعينات القرن الفائت، إلا أن أناقة قميص الـ"تي"، ترسّخت طوال 6 أعوام من عرض المسلسل المعروف إلى درجة أن موضة التسعينات نادراً ما خلت من هذه القطعة الأيقونية التي تصلح لكل الفئات العمرية والإطلالات النهارية والليلية.

ومع بداية القرن الحادي والعشرين، وفي ظل التعديل الشاسع الذي خضعت له البذلة الرسمية والبذلة التنفيذية، وما شهدته من إعادة صياغة لهيئتها وخطوطها، استُبدل بالقميص المزرّر القميص القطني. بداية، شكل الأمر "صدمة" بالنسبة إلى كثيرين. أما اليوم، فصارت البذلة المنسّقة مع قميص قطني، تعكس الثقة التي يتمتع بها الرجل العصري وتعبّر عن حسّه المبتكر وروحه المبدعة. وتحررت بذلك الأناقة المهنية من الأطر الضيّقة للبذلة التنفيذية التقليدية، وما تحمله من ياقات ضيقة، وكل تفاصيل تمتّ إلى صورة المصرفيّ التقليدي بصلة.