طرح بروفيسور ابراهيم طه في ملحق الاتحاد 2014\8\29 موضوعا هامّا جدا تحت عنوان "عيب علينا ما يحدث في نقدنا الأدبي"، لكن الطرح جاء أقرب إلى "أضرب الخميرة في الحيط يا تلصق يا تعلّم"، وبروفيسور طه أقدر كثيرا من الاكتفاء بضرب الخميرة، ولم يفعل.
يقول طه: اننا نشهد اليوم تراجعا مقلقا غير مبرر في النقد، وأن هذا لا يخلو من مفارقة غريبة، رآها في وجود النقد سابقا مع قلة الأكاديميين وتراجعه مع كثرتهم، ثمّ يخلص إلى أن هذا التراجع عائد إلى عقليّة النكوص إلى حدود الخاص والعزوف عن العام والمرابطة في دائرة الذات، ويتساءل عن علة هذا التردّي.
يعوّل طه في معالجته على إصحاب الشهادات العليا اعتمادا على الأدوات التي يملكون في مجال الدراسات النقديّة التطبيقيّة بحكم دراستهم، لوضعنا في طريق الخروج من هذا العيب،ويلومهم باستحياء على كونهم لا يستعملونها إلا أدوات لتحسين الحالة الماديّة الخاصة أو تسيير التقدّم المهني ويرى أن لا بأس في ذلك ولكن... .
من نافل القول أن ليس كل مثقف حامل شهادة وليس كل حامل شهادة مثقّفا،فالثقافة الحقيقيّة حسب تصوري هي، في جانب هام منها، مدى استعمالها في العام استعمالا إيجابيّا وإلا ستبقى يتيمة أو صاحبها ثاكلا،فحملة الشهادات الجامعيّة وفي كل الشعوب ينقسمون إلى "مثقفين" و"متعلمين" والمثقفون ينقسمون إلى قسمين مثقفون لذواتهم ومثقفون لذواتهم ومجتمعاتهم، وتتناسب ثقافة الشعوب طرديّا وعكسيّا في بعض جوانبها، حسب التناسب بين المثقفين لذواتهم ولمجتمعاتهم من جهة والمثقفين لذواتهم والمتعلمين من الأخرى وبغض النظر عن الشهادات.
وإن لم تتقدم الحركة الثقافيّة بكل مركباتها وأوجهها في كل شعب أو أمة الصفوف بخطوات ف- "كفك على الضيعة"، والحاصل عندنا في العقود الأخيرة هو أن "الحركة الثقافيّة" وفي أحسن أحوالها تسير في الصفوف وأحيانا المتأخرة منها وبكلّ ما في هذه الصفوف من عاهات ولا تلتفت إليها حتى، وعلى طريقة "حط راسك بين الرؤوس ونادي يا قطّاع الرؤوس".
ويكفيك كان أن تتابع محاولات إعادة تشكيل اتحادات الأدباء مؤخرا لتتأود شمسيّا وأرضيّا أمامك الحالة التي يصفها طه بعقليّة النكوص إلى حدود  الخاص والعزوف عن العام خدمة،والمرابطة في دائرة الذات، ولكنها ذات من نوع آخر ليس الذات الشرعيّ تطويرها وحمايتها بل تلك التي يصحّ فيها القول: "من بعد ذاتي الطوفان" وأقصى تسوية أقبلها إمّا أنا أو مُحازبي أو لا أحد و- "يا خّرّيبة يا لُعّيبة".
هذا، وما دام الكثيرون من حملة الشهادات لا يتوانون عن حمل العصي والحجارة أو في أحسن الأحوال يغضون الطرف عن حملتها في "دواحس وغبراوات" عوائلهم في كل انتخابات محليّة غير قابلين فوز الفريق الآخر، فكيف لنا أن نقبل الرأي الآخر وكم بالحري إذا كان هذا الرأي يطولنا سلبا؟ وما دمنا نعلّي مراتب حليفنا وإن كان من السافلين ونمرغ في التراب أنف خصمنا وإن كان من العالين ليتبدل هذا بذاك في أول انتخابات، فكيف لنا أن نمارس النقد، هذه الظاهرة الحضاريّة؟
ربّ سائل: إلى أين تورِد إبلَك بهذا الكلام؟
النقد أداة تشذيب للحراك الثقافي ليس فقط في شكل انتاجه الفنيّ وإنما في دوره المجتمعي، لا أنوي في هذا السياق الدخول في حقل ألغام ربّما لا أخرج منه سليما (حفاظا على ذاتي!)، ولكن ما أود قوله هو أن التشذيب مؤلم والمتحملون الألم قلّة في مجتمع كمجتمعنا حتى لو كان من نوع الألم العلاجيّ.
وهنا لا بدّ من لفتة عابرة، في البدء كان الانتاج الإبداعيّ ثمّ جاء النقد لهذا الانتاج واضعا معايير حسب مواصفات الانتاج القائم، فمثلا الانتاج الثقافيّ عند العرب بدأ قرونا قبل أن يتطور النقد، أن يتحول النقد إلى معايير جافّة ففي ذلك جفاف ينابيع الإبداع، وهذا بحدّ ذاته موضوع للنقاش على ضوء ما يروح إليه البعض من محاولة "نومذجة" الإبداعات حسب قوالب وضعها النقاد متناسين أن هذه القوالب "صُبّت" أساسا على انتاجات وليس العكس.
النقد ليس مهمّة سهلة بطبيعته، فهو تشذيب مؤلم كما أسلفت، فكم بالحري في مجتمعات كمجتمعاتنا هذا حال مثقفيها ومتعلميها، "استفزاز" بروفيسور طه حملة الشهادات لن يزيل عنّاومنّا هذا العيب ولن يوردنا نواصي الطرق للخروج، ولذا أعتقد أنه "يعيب علينا ولا يدلنا على طريق الخروج من عيبنا"، ومرة أخرى ليس لأنه ليس بقادر وربمّا لأنه أرادها ضربة خميرة، على ما استنتج.
ما هو حاصل اليوم في هذا الباب معلوم للكل و"النقد" الذي نشهد هو استعراض انتاجات يغلب عليها في الكثير من الأحيان  باب "حُك لي في هذا المكان فأحك لك في مكان آخر" أو في لغة العصر "ليّكلي أليّكلك"، وبعضها يخلو كليّا من أي ملاحظة سلبيّة وفي الأخرى بعض شذرات نقديّة هنا وهنالك  كرفع عتب "لا تشبع من جوع ولا تروي من عطش".
ولا يمكن أن يتناول المرء هذا الموضوع دون أن يمرّ على المنابر الأدبيّة عندنا على قلتها، فالمراقب أو المتابع يلاحظ دون عناء ال" مونوبولات" المعطاة والممنوحة فيها حسب العلاقات والأسماء والانتماءات وليس حسب مستوى الانتاج، وهذا بحدّ ذاته نوع من "النقد" غير المباشرالذي يأخذه المحرر على عاتقه ولكن من "الطاقة" وليس من "الباب" وهو تصنيفيّ، قواعده أبعد ما تكون طبعا عن النقد الذي نرمي أليه.
كما استطاع بروفيسور طه، بغض النظر عن موافقتي معه أو عدمها، وضع الأصبع في مكان، يستطيع كلّ منّا أن يضعها في مكان آخر، وعليه أرى أنّ البليّة الكبرى هي المظاهر التي سقت أعلاه، وأعتقد أن الطريق للخروج من هذا العيب هو في المساهمة في تنظيم الحركة الإبداعيّة (ولو في عشرة اتحادات!) وليس الوقوف موقف المراقب الواعظ خارج التنظيمات ومهما كانت الحجج.
الناقد معرّض وهذه حالنا أن "يُبحش على قبر جدوده" وخوفا منه على جدوده وراحة لهم في قبورهم يفضّل ال-"إبعد عن الشرّ وغني له"، وخصوصا أنه لن يستطيع أن يصمد أمام الجحافل الفيس-بوكية القابعة له بالمرصاد. الاتحادات قادرة أن توفر الآليات ليس فقط للإبداع وإنما لحماية النقّاد بإعطائهم الغطاء إذا أحسنت تنظيم الصفوف ورُفدت بكلّ أو معظم أولئك الذين راقبوا انطلاقها مؤخرا دون أن يعطوا هذا الحراك أدنى اهتمام ولكل أسبابه، وحتى دون أن يكلفوا أنفسهم عناء السؤال، فمن أصل ما يربو على ال500 مبدع عندنا لم يساهم إلا أقل من 200 مبدع في إعادة البناء، وما شاب إعادة التنظيم (ولادة اتحادين) من شوائب صحيح أنه دليل آخر على حال حراكنا الثقافيّ، لكن هذا لا يعطي الحق لأحد أن يتخلّف مكتفيا بالمراقبة أو "رغبة في أن يبقى مع سيده بخير ومع ستُّه بخير".
أرى أن تنظيم حراكنا الثقافيّ والفعل فيه يمكن أن يشكّل نقلة نوعيّة أو على الأقل بداية عودة عن الركود والجمود والنكوص التي أشار إليها بروفيسور طه وكذلك في مجال النقد، فإذا لم يُسهم المبدع في الحراك الثقافيّ الميدانيّ فكيف له أن يتصدّر مقدّمة الصفوف كدوره المنوط به تاريخيّا؟ وإساسا كيف ستصل كلمته إلى الناس إذا لم يصل هو إليهم؟وكيف للناقد أن يشذّب عن بعد؟فالتشذيب لا يكون إلا عن قرب (من داخل أغصان الشجرة)، وسيجد عندها السند في كثير من فروع الشجرة الذي يحفظ له كرامة "قبور جدوده".
سعيد نفاع
الأمين العام لاتحاد الأدباء الفلسطينيين